أقرّت حركة النهضة الأسبوع الماضي المحافظة على الفصل الأول من دستور 1959 وعدم التنصيص على الشريعة كمصدر أساسي ووحيد للتشريع. لكنّ حسم الحركة في هذه المسألة، التي طالما مثلّت عامل انقسام في صفوف التونسيين، لم يغلق «باب» اعتماد الشريعة كمصدر للتشريع وذلك نظرا إلى وجود جملة من الفصول رأت أطراف أنّه لا بدّ على الحركة أن تبيّن موقفها منها.
تضمّن مشروع الدستور المنسوب لحركة النهضة (الذي اعتبرته عدّة أطراف سياسيّة «بالونة اختبار» نفت الحركة انتسابه لها) عددا من الفصول التي نصّت على الشريعة في مضمونها. ومن أهمّ هذه الفصول، نجد الفصل العاشر الذي ينصّ على أنّ «الشريعة الإسلاميّة مصدر أساسي من مصادر التشريع». وحول هذا الفصل، قال شفيق صرصار مدير قسم العلوم السياسيّة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس لـ «الأسبوعي»: «إنّ اعتبار الشريعة مسألة خلافية زادت من انقسام الشعب.. وأن تشريعات الإسلام لا يجب أن تفرض لأنها تقوم على الاقتناع والإيمان بها.. فالحرية مكفولة للجميع في نظم الحياة التي يختارونها.. والدساتير تتأسس على ما هو مشترك وفيه إجماع وتوافق».
خطورة الحديث عن التشريع
وذكر أنّ حسم الحركة في الفصل الأوّل ساهم في الدفع بالمسار التأسيسي، قائلا: «كثيرون لا يميّزون بين الفقه وبين التشريع، ويتناسون أن التناحرات بين الفقهاء ، حتى ضمن الفقهاء السنة، تكشف خطورة الحديث عن التشريع كمصدر «أساسي ووحيد»، ويمكن العودة في هذا إلى حرق المرابطين لكتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وإلى كتاب الفقيه الحنفي نجم الدين الطرسوسي الذي شن فيه هجوما على الفقهاء الشافعية ناصحا السلطان بعدم توليتهم القضاء.
![]() |
الغزالي |
لكنّ الفصل العاشر لم يكن الوحيد الذي أشار إلى الشريعة وإنّما وجد الفصل 126 المتعلّق بالمجلس الأعلى الإسلامي، الذي يعرّف على أنّه «مؤسسة دستوريّة مستقلّة تصدر الفتاوى طبقا للشريعة الإسلاميّة..».
في هذا الإطار، قال عامر لعريض عضو حركة النهضة في المجلس التأسيسي: «يمكن أن يوجد مجلس إسلامي ذو صبغة استشاريّة مثلما هو معمول به في عدّة دول، لكنّ الحسم في دستوريّة المجلس يرجع إلى لجان المجلس الذي يمثّل أعلى سلطة في البلاد».
من جهته، قال الأستاذ صرصار «لا بدّ من التذكير أن الأمر عدد 118 لسنة 1989 مؤرخ في 9 جانفي 1989، أحدث مجلسا إسلاميا أعلى، وقد كان مجلسا استشاريا مهمته تلميع صورة النظام، فالحديث عن إحداث مجلس إسلامي أعلى اليوم، يجب أن يخضع إلى عدّة ضوابط أهمها عدم تقويض الديمقراطية وإحلال التيوقراطية التي تعني الحكم باسم الإله محلّها، وتفادي التعصب المذهبي، بالمقابل قد يكون لهذا المجلس دور مهم لمواجهة انفلات الفتاوى، ولضمان التعديل الضروري une régulation لممارسة الإمامة والوعظ والفتوى».
حريّة المعتقد حقّ مطلق
إنّ حسم الحركة في الفصل الأول من دستور 1959 بعث الارتياح في نفوس عدد لا بأس به من التونسيين، لكنّه دفع البعض من متتبّعي الشأن الوطني إلى مطالبة الحركة بوجوب الإبقاء على الفصل الخامس من دستور 1959 الذي ينصّ على ضمان الجمهوريّة التونسيّة «حرمة الفرد وحرية المعتقد وتحمي حرية القيام بالشّعائر الدينية ما لم تخلّ بالأمن العام»، خاصّة أمام الدعوات لقتل اليهود في أكثر من مناسبة من قبل بعض «المتطرّفين».
في هذا الإطار، قال عامر لعريض: «إنّ حريّة المعتقد مكفولة ومضمونة في الدستور الذي سيصاغ على مصطلح «المواطنة» الذي يكرّس مساواة كلّ المواطنين في الحقوق والواجبات بقطع النظر عن انتماءاتهم الدينيّة والجهويّة والحزبيّة».
وأضاف قائلا: «إنّ الوطن يحمي حقوق الأقليّات بما في ذلك حريّة المعتقد والقيام بالشعائر الدينيّة، وهو ما سنعمل على إرسائه في الدستور».
وحول هذا الفصل، قال أستاذ العلوم السياسيّة: «أرى أنّه من الضروري أن تبيّن كل الأطراف موقفها بوضوح من كون حرية المعتقد هي حق مطلق في حين يمكن إخضاع حرية الشعائر لبعض القيود، فلا سبيل اليوم لمحاكم تفتيش أو لمحاكمة النوايا، فالإكراه على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن، بقدر ما يشجّع على النفاق».
بالحسم في مسألة الفصل الأول من الدستور، بيّنت حركة النهضة وفاءها لما صرّحت به خلال حملتها الانتخابيّة، لكنّ الأيام المقبلة ستؤكّد مدى مدنيّة حزب حركة النهضة.